ابو القاسم عبد الكريم القشيري

75

لطائف الإشارات

ولا عليهم سلطان الفكر . وأشعة شموس العرفان مستغرقة لأنوار نجوم العلم ، يقول قائلهم : ولما استبان الصبح أدرك ضوءه * بإسفاره أنوار ضوء الكواكب قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 126 ] أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) لم يخل الحقّ - سبحانه - أرباب التكليف من دلائل التعريف ، التعريف لهم في كل وقت بنوع من البيان ، والتكليف في كل أوان بضرب من الامتحان ؛ فما لم يزد لهم في إيضاح البرهان لم يتجدد لهم من اللّه إلا زيادة الخذلان والحجبة عن البيان . وأمّا أصحاب الحقائق فما للأغيار في كل عام مرة أو مرتين فلهم في كل نفس مرة ، لا يخليهم الحقّ - سبحانه - من زواجر توجب بصائر ، وخواطر تتضمن تكليفات وأوامر « 2 » قال قائلهم : كأنّ رقيبا منك حلّ بمهجتي * إذا رمت تسهيلا علىّ تصعّبا قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 127 ] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 ) تقنّعوا بخمار التلبيس ظانّين أنهم يبقون في سرّ بتكلفهم ؛ والحقّ أبى إلا أن فضحهم ، وكما وسمهم برقم النّكرة « 1 » أطلع أسرار الموحّدين على أحوالهم فعرفوهم على ما هم عليه من أوصافهم . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 128 ] لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 )

--> ( 1 ) النكرة اسم من الإنكار ؛ يقال : كان لي أشد نكرة ( الوسيط ) . ( 2 ) ذلك لأنهم بقيامهم بالحق فلما تبدر منهم أشياء تستدعى الزجر أو الأمر لأنهم دائما يختارون الأشق .