ابو القاسم عبد الكريم القشيري
73
لطائف الإشارات
لو اشتغل الكلّ بالتّفقّه في الدّين لتعطّل عليهم المعاش ، ولبقى الكافة عن درك ذلك المطلوب ، فجعل ذلك فرضا على الكفاية . ويقال جعل المسلمين على مراتب : فعوامّهم كالرعية للملك « 1 » ، وكتبة الحديث كخزّان الملك ، وأهل القرآن كحفّاظ الدفاتر ونفائس الأموال ، والفقهاء بمنزلة الوكلاء للملك إذ الفقيه ( . . . ) « 2 » عن اللّه ، وعلماء الأصول كالقوّاد وأمراء الجيوش ، والأولياء كأركان الباب ، وأرباب القلوب وأصحاب الصفاء كخواص الملك وجلسائه . فيشتغل قوم يحفظ أركان الشرع ، وآخرون بإمضاء الأحكام ، وآخرون بالرّد على المخالفين ، وآخرون بالأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وقوم مفردون بحضور القلب وهم أصحاب الشهود ، وليس لهم شغل ، يراعون مع اللّه أنفاسهم وهم أصحاب الفراغ ، لا يستفزّهم طلب ولا يهزّهم أرب ، فهم باللّه للّه ، وهم محو عما سوى اللّه « 3 » . وأمّا الذين يتفقهون في الدّين فهم الداعون إلى اللّه ، وإنما يفهم الخلق عن اللّه من كان يفهم عن اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 123 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 123 ) أقرب الأعداء إلى المسلم من الكفار ، الذي يجب عليه منازعته هو أعدى عدوّه
--> ( 1 ) في الهامش ( فالناس كلهم خدم للملك ) . ولا توجد علامة توضح أنها من المتن ، فربما كانت منه وسقطت العلامة ، وربما كانت توضيحا من أحد القراء . ( 2 ) مشتبهة أقرب ما تكون إلى ( يرفع ) أو ( يوقع ) ونرجح الثانية فقد وردت كذلك في سياق مماثل . ( 3 ) من هذا التصور ندرك شيئا هاما عند القشيري وعند الصوفية الخلص بعامة ، فهم لا يتصورون التصوف مذهبا يسود المجتمع بعامة فيكون الناس جميعا متصوفة ، بل إن دوره العضوي الهام في كيان المجتمع محصور في طائفة مخصوصة يمتد اثرها إلى خارج نطاقها ، والمقصود ( بالشغل ) و ( الفراغ ) أن يكونوا خالصين للّه ، وليس المقصود البطالة من العمل وعدم السعي للرزق .