ابو القاسم عبد الكريم القشيري
66
لطائف الإشارات
فليس له حقّ الردّ ؛ قال تعالى : « وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ » « 1 » . ويقال من اشترى شيئا فوجد به عيبا ردّه على من منه اشتراه ولكنه - سبحانه - اشترى نفوسنا منه ، فإذا أراد الردّ فلا يردّ إلا على نفسه ؛ قال تعالى : « ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ » وكما أنّ الردّ إليه فلو ردّنا كان الردّ عليه . قوله تعالى : « التَّائِبُونَ » أي الراجعون إلى اللّه ، فمن راجع يرجع عن زلّته إلى طاعته ، ومن راجع يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه ، ومن راجع يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه ، ومن راجع يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جنسه إلى الاستغراق في حقائق حقّه . ويقال تائب يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله ؛ فيجد غدا فنون أفضاله ، وصنوف لطفه ونواله ، وتائب يرجع عن كل غير وضد إلى ربّه بربّه لربّه بمحو كلّ أرب ، وعدم الإحساس بكلّ طلب . وتائب يرجع لحظّ نفسه من جزيل ثوابه أو حذرا - على نفسه - من أليم عذابه ، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه ، وتائب يرجع طلبا لفرح نفسه حين ينجو من أوضاره ، ويخلص من شؤم أوزاره ، وتائب يرجع لمّا سمع أنه قال : إنّ اللّه أفرح بتوبة عبده من الأعرابي الذي وجد ضالّته - كما في الخبر ، وشتّان ما هما ! وأنشدوا : أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا * أناديك لا أنساك ما هبّت الصّبا وأمّا قوله « الْعابِدُونَ » : فهم الخاضعون بكلّ وجه ، الذين لا تسترقّهم كرائم الدنيا ، ولا تستعبدهم عظائم العقبي . ولا يكون العبد عبد اللّه - على الحقيقة - إلا بعد تجرّده عن كل شئ حادث . وكلّ أحد فهو له عبد من حيث الخلقة ؛ قال تعالى : « إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً » « 2 » . ولكنّ صاحب العبودية خاصّ ، وهو عزيز .
--> ( 1 ) آية 32 سورة الدخان . ( 2 ) آية 93 سورة مريم .