ابو القاسم عبد الكريم القشيري
67
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : الْحامِدُونَ هم الشاكرون له على وجود أفضاله ، المثنون عليه عند شهود جلاله وجماله . ويقال الحامدون بلا اعتراض على ما يحصل بقدرته ، وبلا انقباض عما يجب من طاعته . ويقال الحامدون له على منعه وبلائه كما يحمدونه على نفعه وعطائه . ويقال الحامدون إذا اشتكى من لا فتوّة « 1 » له المادحون إذا بكى من لا مروءة له . ويقال الشاكرون له إن أدناهم ، الحامدون له إن أقصاهم . قوله جل ذكره : السَّائِحُونَ الصائمون ولكن عن شهود غير اللّه ، الممتنعون عن خدمة غير اللّه ، المكتفون من اللّه باللّه . ويقال السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الاعتبار طلبا للاستبصار ، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها بالتفكّر في جوانبها ومناكبها ، والاستدلال بتغيّرها على منشئها ، والتحقق بحكمة خالقها بما يرون من الآيات فيها ، ويسيحون بأسرارهم في الملكوت فيجدون روح الوصال ، ويعيشون بنسيم الانس بالتحقق بشهود الحق . قوله جل ذكره : الرَّاكِعُونَ الخاضعون للّه في جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التجلّى ، وفي الخبر . « إن اللّه ما تجلّى لشئ إلا خشع له » . وكما يكون - في الظاهر - راكعا يكون في الباطن خاشعا ، ففي الظاهر بإحسان الحقّ إليه يحسن تولّيه ، وفي الباطن كالعيان للعيان للحقّ بأنوار تجلّيه . قوله جل ذكره السَّاجِدُونَ في الظاهر بنفوسهم على بساط العبودية ، وفي الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية .
--> ( 1 ) سأل شقيق البلخي جعفر بن محمد عن الفتوة فقال : ما تقول أنت ؟ فقال شقيق : إن أعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا ، فقال جعفر : الكلاب عندنا بالمدينة كذلك تفعل ! فقال شقيق : وما الفتوة عندكم ؟ فقال : إن أعطينا آثرنا ، وإن منعفا شكرنا ( الرسالة ص 115 ) .