ابو القاسم عبد الكريم القشيري
652
لطائف الإشارات
يستمكنون في مواطن الصدق لا يبرحون عنها ليلا ونهارا ، وقولا وفعلا . وإذا مروا بأصحاب الزلات ومساكن المخالفات مروا متمكنين معرضين لا بساكنون أهل تلك الحالة . ويقال نزلت الآية في أقوام مرّوا - لمّا دخلوا مكة بأبواب البيوت التي كانوا يعبدون فيها الأصنام مرة - متكرمين دون أن يلاحظوها أو يلتفتوا إليها فشكر اللّه لهم ذلك . ثم قال في صفتهم : « وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً » : بل قابلوها بالتفكير والتأمل ، واستعمال النظر . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 74 ] وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ( 74 ) قرة العين من به حياة الروح ، وإنما يكون كذلك إذا كان بحقّ اللّه قائما . ويقال قرة العين من كان لطاعة ربه معانقا ، ولمخالفة أمره مفارقا . « وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً » الإمام من يقتدى به ولا يبتدع . ويقال إن اللّه مدح أقواما ذكروا رتبة الإمامة فسألوها بنوع تضرع ، ولم يدّعوا فيها اختيارهم ؛ فالإمامة بالدعاء لا بالدعوى ، فقالوا : « وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً » . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 75 ] أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ( 75 ) يعطى - سبحانه - الكثير من عطائه ويعده قليلا ، ويقبل اليسير من طاعة العبد ويعده كثيرا عظيما ، يعطيهم الجنة ؛ قصورا وحورا ثم يقول : « أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ » ، ويقبل اليسير من العبد فيقول : « فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ » « 1 » .
--> ( 1 ) آية 22 سورة الذاريات .