ابو القاسم عبد الكريم القشيري
65
لطائف الإشارات
ويقال الطير في الهواء ، والسّمك في الماء لا يصحّ شراؤهما لأنه غير ممكن تسليمهما ، كذلك القلب . . . صاحبه لا يمكنه تسليمه ، قال تعالى : « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ » « 1 » وفي التوراة : « الجنّة جنتي والمال مالي فاشتروا جنتي بمالي فإن ربحتم فلكم وإن خسرتم فعلىّ » ويقال علم سوء خلقك فاشتراك قبل أن أوجدك ، وغالى بثمنك لئلا يكون لك حقّ الاعتراض عند بلوغك . ويقال ليس للمؤمن أن يتعصّب لنفسه بحال لأنها ليست له ، والذي اشتراها أولى بها من صاحبها الذي هو أجنبي عنها . ويقال أخبر أنه اشتراها لئلا يدّعى العبد فيها ؛ فلا يساكنها ولا يلاحظها ولا يعجب بها « 2 » . قوله : « فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ » سيّان « 3 » عندهم أن يقتلوا أو يقتلوا ، قال قائلهم : وإنّ دما أجريته لك شاكر * وإنّ فؤادا خرته لك حامد ويقال قال : « فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ » ولم يقل بثمن مبيعكم لأنه لم يكن منّا بيع ، وإنما أخبر عن نفسه بقوله « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » فجعل بيعه بيعنا ، وهذا مثلما قال في صفة نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - : « وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى » وهذا عين الجمع الذي أشار إليه القوم . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 112 ] التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 112 ) مدحهم بعد ما أوقع عليهم سمة الاشتراء بقوله « التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ . . . » ومن رضى بما اشتراه فإنّ له حقّ الردّ إذا لم يعلم العيب وقت الشّراء ، فأمّا إذا كان عالما به
--> ( 1 ) آية 24 سورة الأنفال . ( 2 ) لاحظ مدى التقاء القشيري - فيما يتصل بالنفس - بتعاليم أهل الملامة النيسابورية . ( 3 ) وردت ( شتان ) وهي - حسب ما هو واضح - خطأ في النسخ .