ابو القاسم عبد الكريم القشيري

646

لطائف الإشارات

ويقال الحق يجود على الأولياء - إذا توكلوا - بتيسير السبب من حيث يحتسب ولا يحتسب ، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب . . . وإذا لم يكن الأرب فمتى يكون الطلب ؟ ويقال التوكل في الأسباب الدنيوية إلى حدّ ، فأمّا التوكل على اللّه في إصلاحه - سبحانه - أمور آخرة العبد فهذا أشدّ غموضا ، وأكثر خفاء . فالواجب في الأسباب الدنيوية أن يكون الشكون عن طلبها غالبا ، والحركة تكون ضرورة أفأمّا في أمور الآخرة وما يتعلّق بالطاعة فالواجب البدار والجدّ والانكماش ، والخروج عن أوطان الكسل والجنوح إلى الفشل . والذي يتّصف بالتواني في العبادات ، ويتباطؤ في تلافى ما ضيّعه من إرضاء الخصوم والقيام بحقّ الواجبات ، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكّل على اللّه وأنه - سبحانه - يعفو عنه فهو متّهم معلول الحال ، ممكور مستدرج ، بل يجب أن يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه . ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته ، ولا يستند إلى سكونه وحركته ، ويتبرّأ بسرّه من حوله وقوّته . ثم يكون حسن الظنّ بربّه ، ومع حسن ظنه بربه لا ينبغي أن يخلو من مخافته ، اللهم إلا أن يغلب على قلبهما يشغله في الحال من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب ؛ فإن ذلك - إذا حصل - فالوقت غالب ، وهو أحد ما قيل في معاني قولهم : الوقت سيف « 1 » قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 59 ] الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 59 ) انتظم به الكون - والعرش من جملة الكون - ولم يتجمّل الحقّ - سبحانه - بشئ

--> ( 1 ) في هذا المعنى يقول القشيري « أي كما أن السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ويجريه غالب ، وكما أن السيف لين مسه قاطع حده فمن لاينه سلم ، ومن خاشنه اصطلم كذلك الوقت من استسلم لحكمه نجا ، ومن عارضه انتكس وتردى ، ومن ساعده الوقت فالوقت له وقت ، ومن ناكده الوقت فالوقت عليه مقت . وسمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك » الرسالة ص 34 .