ابو القاسم عبد الكريم القشيري
647
لطائف الإشارات
من إظهار بريّته ؛ فعلوّه على العرش بقهره وقدرته ، واستواؤه بفعل خص به العرش بتسوية أجزائه وصورته « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 60 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً ( 60 ) أقبل الحقّ - سبحانه - بلطفه وبفضله على أقوام فلذلك وجدوه ، وأعرض عن آخرين بتكبره وتعزّزه فلذلك جحدوه ؛ فطرهم على سمة البعد ، وعجن طينتهم بماء الشقاوة والصدّ ، فلما أظهرهم ألبسهم صدار الجهل والجحد . قوله جل ذكره : [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 61 ] تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ( 61 ) زيّن السماء الدنيا بمصابيح ، وخلق فيها البروج ، وبثّ فيها الكواكب ، وصان عن الفطور والتشويش أقطارها ومناكبها ، وأدار بقدرته أفلاكها ، وأدام على ما أراد إمساكها . وكما أثبت في السماء بروجا ( أثبت في سماء قلوب أوليائه وأصفيائه بروجا ) « 2 » ؛ فبروج السماء معدودة وبروج القلب مشهودة . وبروج السماء ( بيوت ) « 3 » شمسها وقمرها ونجومها ، وبروج القلوب مطالع أنوارها ومشارق شموسها ونجومها . وتلك النجوم التي هي نجوم القلوب كالعقل ، والفهم والبصيرة والعلم ، وقمر القلوب المعرفة .
--> ( 1 ) كانت هذه الآية وأمثالها فرصة لآراء كلامية خطيرة سواء من ناحية استواء اللّه - سبحانه - على العرش ومسألة تنزههه عن المكانية ، أو من ناحية خلق اللّه ما بين السماوات والأرض وهل المقصود بذلك خلق أفعال الإنسان . وقد ناقش الباقلاني في كتابه ( التمهيد في أصول الدين ) كلا الأمرين ، والواقع أن القشيري - تلميذ الباقلاني - متأثر بآراء أستاذه إلى حد كبير ، وإن كان الباقلاني أقل تأويلا للصفات الخبرية منه . ( 2 ) غير موجودة في ص وموجودة في م . ( 3 ) في ص ( ثبوت ) وفي م ( بيوت ) وقد رجحنا هذه لأن البرج ( بيت يبنى على سور المدينة وفي أعلاها ) كما جاء في المعاجم .