ابو القاسم عبد الكريم القشيري

645

لطائف الإشارات

وبعد هذا الموافقة ؛ وهي ألا يجد الراحة في المنع ، بل يجد بدل هذا عند نسيم القرب زوائد الأنس بنسيان كلّ أرب ، ونسيان وجود سبب أو عدم وجود سبب ؛ فكما أن حلاوة الطاعة تتصاغر عند برد الرضا - وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجابا - فكذلك أهل الأنس باللّه . . بنسيان كلّ فقد ووجد ، وبالتغافل عن أحوالهم في الوجود والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع ، والاستقلال بلطائف الرضا نقصانا في الحال . ثم بعد هذا استيلاء سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية ، والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام والفناء . . وأمثال هذا ، وذلك هو عين التوحيد ، فعند ذلك لا أنس ولا هيبة ، ولا لذة ولا راحة ، ولا وحشة ولا آفة . هذا بيان ترتيبهم « 1 » . فأمّا ما دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين - على تباين شربهم - يختلف على حسب اختلاف محالّهم . فيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل في المهد ؛ لا شئ من قبله إلا أن يرضعه من هو في حضانته « 2 » . ويقال التوكل زوال الاستشراف ، وسقوط الطمع ، وفراغ القلب من تعب الانتظار . ويقال التوكل السكون عند مجارى الأقدار على اختلافها . ويقال إذا وثق القلب يجريان القسمة لا يضره الكسب ، ولا يقدح في توكله « 3 » . ويقال عوام المتوكلين إذا أعطوا شكروا ، وإذا منعوا صبروا . وخواصّهم إذا أعطوا آثروا ، وإذا منعوا شكروا .

--> ( 1 ) هذا الترتيب الذي ذكره القشيري على جانب كبير من الأهمية لأنه أولا يكشف عن التدرج في مراتب التوكل واحدة بعد الأخرى ، والدقائق النفسية المرتبطة بكل منها ، كما أنه يكشف عن مرحلة الانتقال من المقامات - التي هي جهود - إلى الأحوال التي هي من عين الجود . وواضح أن ( الرضا ) يحمل في طياته طبيعة هذه المرحلة الانتقالية ، وقد عالج القشيري هذه الظاهرة في رسالته ص 97 . ( 2 ) القشيري متأثر بأقوال الشيوخ في ذلك : نحو ( المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوى إليه إلا ثدي أمه ( الرسالة ص 85 وقولهم ) ( الصوفية أطفال في حجر الحق ) الرسالة ص 139 . ( 3 ) هذه نقطة هامة جدا توضح أن التوكل الصوفي الحق لا يتعارض مع الكسب ، ولا يتعارض معه الكسب . . وقد كذب من ادعى التواكل وكذب من أنهم الصوفية بالتكاسل .