ابو القاسم عبد الكريم القشيري
64
لطائف الإشارات
وللمقال في هذه الآية مجال . . . فيقال : البائع لا يستحقّ الثمن إذا امتنع عن تسليم المبيع ، فكذلك لا يستحق العبد الجزاء الموعود إلا بعد تسليم النّفس والمال على موجب أوامر الشرع ، فمن قعد أو فرّط فغير مستحق للجزاء . ويقال لا يجوز في الشرع أن يبيع الشخص ويشترى شيئا واحدا فيكون بائعا ومشتريا إلا إذا كان أبا وجدا ! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة ؛ فالحقّ بإذنه كانت رحمته بالعبد أتمّ ، ونظره له أبلغ ، وكان للمؤمن فيه من الغبطة ما لا يخفى ، فصحّ ذلك وإن كان حكمه لا يقاس على حكم غيره . ويقال إنما قال : « اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ » ولم يقل « قلوبهم » لأنّ النّفس محل الآفات فجعل الجنة في مقابلتها ، وجعل ثمن القلب أجلّ من الجنة ، وهو ما يخصّ به أولياء في الجنة من عزيز رؤيته « 1 » . ويقال النّفس محلّ العيب ، والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره . ويقال من اشترى شيئا لينتفع به اشترى خير ما يجده ، ومن اشترى شيئا لينتفع به غيره يشترى ما ردّ على صاحبه لينفعه بثمنه . وفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء - عليهم السلام - : يا بني آدم ، ما خلقتكم لأربح عليكم ولكن خلقتكم لتربحوا علىّ . ويقال اشترى منهم نفوسهم فرهبوا على قلوبهم شكرا له حيث اشترى نفوسهم ، وأمّا القلب فاستأثره قهرا ، والقهر في سنّة الأحباب أعزّ من الفضل ، وفي معناه أنشدوا : بني الحبّ على القهر فلو * عدل المحبوب يوما لسمج ليس يستحسن في حكم الهوى * عاشق يطلب تأليف الحجج وكان الشيخ أو على الدقاق « 2 » رحمه اللّه يقول : « لم يقل اشترى قلوبهم لأن القلوب وقف على محبته ، والوقف لا يشترى » .
--> ( 1 ) أنظر كيف تحتل الجنة المرتبة الثانية بعد رؤية المحبوب - عند هذا الصوفي . ( 2 ) الدقاق هو شيخ القشيري ورائده وأستاذه وصهره . وقد أشرنا إلى شئ من سيرته في مدخل هذا الكتاب .