ابو القاسم عبد الكريم القشيري
587
لطائف الإشارات
كلّ أمر نيط باثنين فقد انتفى عنه النظام وصحة الترتيب ، وأدلة التمانع مذكور في مسائل الأصول . « سُبْحانَ اللَّهِ » تقديسا له ، وتنزيها عما وصفوه به . « عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ » : تنزّه عن أوهام من أشرك ، وظنون من أفك . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 93 ] قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ ( 93 ) يقول إن عجلت لهم ما تتوعدهم به فلا تجعلني في جملتهم ، ولا توصل إلىّ سوءا مثلما توصل إليهم من عقوبتهم . وفي هذا دليل على أنّ للحقّ أن يفعل ما يريد ، ولو عذّب البريء لم يكن ذلك منه ظلما ولا قبيحا « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 95 ] وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ ( 95 ) تدل على صحة قدرته على خلاف ما علم ؛ فإنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ، فصحّت القدرة على خلاف المعلوم « 2 » قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 96 ] ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ( 96 ) الهمزة في « أَحْسَنُ » يجوز ألا تكون للمبالغة ؛ ويكون المعنى ادفع بالحسن السيئة . أو أن تكون للمبالغة ؛ فتكون المكافأة جائزة والعفو عنها - في الحسن - أشدّ مبالغة . ويقال ادفع الجفاء بالوفاء ، وجرم أهل العصيان بحكم الإحسان . ويقال ادفع ما هو حظك إذا حصل ما هو حق له . ويقال اسلك مسلك الكرم ، ولا تجنح إلى طريق المكافأة .
--> ( 1 ) لأن أفعال اللّه تعالى لا تعلل بالأغراض ، إذ لا يعود عليه سبحانه من هذا أو ذاك مصلحة . ( 2 ) في هذا ردّ ضمني على المعتزلة القائلين بإنكار الصفات ، إذ يتضح أن صفة العلم متميزة عن صفة القدرة . فالأشاعرة - ومنهم القشيري - حين يثبتون الصفات إنما يثبتون المعاني اللاثقة بذاته ، وهي معان وإن تنوعت فليست طوارئ على الذات ، وإنما الذات قائمة بها .