ابو القاسم عبد الكريم القشيري

570

لطائف الإشارات

قطرة أجزاؤها متماثلة ، ونطفة أبعاضها متشاكلة ، ثم جعل بعضها لحما وبعضها عظما ، وبعضها شعرا ، وبعضها ظفرا ، وبعضها عصبا ، وبعضها جلدا ، وبعضها مخّا ، وبعضها عرقا . ثم خصّ كلّ عضو بهيئة مخصوصة ، وكلّ جزء بكيفية معلومة . ثم الصفات التي للإنسان خلقها متفاوتة ، من السّمع والبصر والفكر والغضب والقدرة والعلم والإرادة والشجاعة والحقد والجود والأوصاف التي يتقاصر عنها الحصر والعدّ . قوله جل ذكره : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ في التفاسير أنه صورة الوجه ، ويحتمل ما تركب فيه من الحياة ، واختصّ به من السّمع والبصر والعقل والتمييز ، وما تفرّد به بعض منهم بمزايا في الإلهام العام للعقل وسائر الإدراكات . ويقال « ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ » : وهو أن هيّأهم لأحوال عزيزة يظهرها عليهم بعد بلوغهم ، إذا حصل لهم كمال التمييز من فنون الأحوال ؛ فلقوم تخصيص بزينة العبودية ، ولقوم تحرّر من رقّ البشرية ، ولآخرين تحقق بالصفات الصمدية بامتحائهم عن الإحساس بما هم عليه وبه من الأحوال التي هي أوصاف البشرية . قوله جل ذكره : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ خلق السماوات والأرضين بجملتها ، والعرش والكرسىّ ، مع المخلوقات من الجنة والنار بكليتها - ثم لمّا أخبر بذلك لم يعقبه بهذا التمدح الذي ذكره بعد نعت خلقه بني آدم تخصيصا لهم وتمييزا ، وإفرادا لهم من بين المخلوقات . ويقال إن لم يقل لك إنّك أحسن المخلوقات في هذه الآية فلقد قال في آية أخرى : « لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ » « 1 » .

--> ( 1 ) الآية 4 سورة التين .