ابو القاسم عبد الكريم القشيري

562

لطائف الإشارات

نبه الأفكار المشتّتة ، والخواطر المتفرقة على الاستجماع لسماع ما أراد تضمينه فيها ؛ فاستحضرها فقال : « ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ . . » ثم بيّن المعنى فقال إنّ الذين تدعون من دون اللّه ، وتدعونها آلهة ؛ أي وتسمونها آلهة ( وأنها للعبادة مستحقة ) « 1 » لن يخلقوا بأجمعهم ذبابا ، ولا دون ذلك . وإن يسلبهم الذباب شيئا بأن يقع على طعام لهم فليس في وسعهم استنقاذهم ذلك منه ، ومن كان بهذه الصفة فساء المثل مثلهم ، وضعف وصفهم ، وقلّ خطرهم . ويقال إن الذي لا يقاوم ذبابا فيصير به مغلوبا فأهون بقدره ! قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 74 ] ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 74 ) ما عرفوه حقّ معرفته ، ولا وصفوه بجلال ما يستحقه من النعوت . ومن لم يكن في عقيدته نقص لما يستحيل في وصفه - سبحانه - لم تباشر خلاصة التوحيد سرّه ، وهو في ترجّم فكر ، وتجويز ظن ، وخطر تعسّف ، يقع في كل وهدة من الضلال . ويقال العوام اجتهادهم في رفضهم الأعمال الخبيثة خوفا من اللّه ، والخواص جهدهم في نقض عقيدتهم للأوصاف التي تجلّ عنها الصمدية ، وبينهما ( . . . ) « 2 » بعيد . « إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » قوى أي قادر على أن يخلق من هو فوقهم في التحصيل وكمال العقول . « عَزِيزٌ » : أي لا يقدّر أحد قدره - إلا بما يليق بصفة البشر - بقدر من العرفان . ويقال من وجد السبيل إليه فليس النعت له إلا بوصف القصور ، ولكن كلّ بوجده مربوط ، وبحدّه في همته موقوف ، والحق سبحانه عزيز « 3 » .

--> ( 1 ) ما بين القوسين موجود في ص مفقود في م ( 2 ) في ص جاءت ( وفاق ) وفي م جاءت ( فرقان ) والأولى مرفوضة ، وفي مثل هذا الموضع يستعمل القشيري ( فرق ) أو ( بون ) بعيد . ( 3 ) كلام القشيري هنا في ( قوى ) وفي ( عزيز ) هام لأنه لم يرد في مبحثه المستقل عن الأسماء والصفات الإلهية الذي ضمنه كتاب ( التحبير في التذكير ) الذي حققناه ونشرته دار الكاتب العربي سنة 1969 .