ابو القاسم عبد الكريم القشيري

56

لطائف الإشارات

أراد إذا تقوّلوا بما هم فيه كاذبون ، وضللوا عما كانوا في تخلفهم به يتّصفون - فأخبروهم أنّا عرّفنا اللّه كذبكم فيما تقولون ، واتضحت لنا فضائحكم ، وتميّز - بما أظهره اللّه لنا - سيّئكم وصالحكم ، فإنّ اللّه تعالى لا يخفى عليه شئ من أحوالكم ، وستلقون غبّ أعمالكم في آجلكم « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 95 ] سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 95 ) يريد أنهم في حلفهم باللّه لكم أن يدفع السوء من قبلكم ، وليس قصدهم بذلك خلوصا في اعتذارهم ، ولا ندامة على ما احتقبوه من أوزارهم ، إنما ذلك لتعرضوا عنهم . . . فأعرضوا عنهم ؛ فإنّ ذلك ليس بمنجيهم مما سيلقونه غدا من عقوبة اللّه لهم ، فإنّ اللّه يمهل العاصي حتى يتوهّم أنه قد تجاوز عنه ، وما ذلك إلا مكر عومل به ، فإذا أذاقه ما يستوجبه علم أن الأمر بخلاف ما ظنه ، وما ينفع ظاهر مغبوط ، والحال - في الحقيقة - يأس من الرحمة وقنوط ، وفي معناه قالوا : وقد حسدونى في قرب دارى منهم * وكم من قريب الدار وهو بعيد ! قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 96 ] يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 96 ) من كان مسخوط الحقّ لا ينفعه أن يكون مرضىّ الخلق ، وليست العبرة بقول غير اللّه إنّما المدار على ما سبق من السعادة في حكم اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 97 ] الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 97 )

--> ( 1 ) وردت ( غب أعمالكم في أعمالكم ) والصواب ( في آجلكم ) لأن الآية تشير لذلك .