ابو القاسم عبد الكريم القشيري

542

لطائف الإشارات

الحنيف المائل إلى الحق عن الباطل في القلب والنّفس ، في الجهر وفي السّرّ ، في الأفعال وفي الأحوال وفي الأقوال « غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ » : الشّرك جلىّ وخفىّ « 1 » . قوله « وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما . . . » كيف لا . . وهو يهوى في جهنم وتتجاذبه ملائكة العذاب ؟ أو تهوى به الريح من مكان سحيق . . وكذلك غدا في صفة قوم يقول اللّه تعالى : « نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ » « 2 » . قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 32 ] ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ( 32 ) يقف المؤمن على تعيين شعائر اللّه وتفصيلها بشهادة العلم جهرا ، وبخواطر الإلهام سرّا . وكما لا تجوز مخالفة شهادة الشرع لا تجوز مخالفة شهادة خواطر الحق فإنّ خاطر الحقّ لا يكذب ، وعزيز من له عليه وقوف . وكما أنّ النّفس لا تصدق فالقلب لا يكذب ، وإذا خولف القلب عمى في المستقبل ، وانقطعت عنه تعريفات الحقيقة ، والعبارة « 3 » والشرح يتقاصران عن ذكر هذا على التعيين والتفسير . ويقوى القلب بتحقيق المنازلة ؛ فإذا خرست النفوس ، وزالت هواجسها ، فالقلوب تنطق بما تكاشف به من الأمور . ومن الفرق بين ما يكون طريقه العلم وما طريقه من الحق أن الذي طريقه العلم يعلم صاحبه أولا ثم يعمل مختارا ، وما كان من الحق يجرى ويحصل ثم بعده يعلم من جرى عليه

--> ( 1 ) الشرك الجلى معروف أما الشرك الخفي فهو أن ينازعه منازع في قلبك من هوى أو حظ أو علاقة تنأى بك عنه . ( 2 ) آية 67 سورة التوبة . ( 3 ) في م وص ( والعبادة ) وقد رأينا أن تكون ( العبارة ) بالراء أي أن التعبير عن ذلك بالكلام والشرح قاصر