ابو القاسم عبد الكريم القشيري

543

لطائف الإشارات

ذلك معناه ، ولا يكون الذي يجرّى عليه ما يجرى مضطرا إلى ما يجرى . وليس يمكن أن يقال إنه ليس له اختيار « 1 » ، بل يكون مختارا ولكنّ سببه عليه مشكل ، والعجب من هذا أن العبارة عنه كالبعيد . قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 33 ] لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 33 ) لكلّ من تلك الجملة منفعة بقدره وحدّه « 2 » ؛ فلأقوام بركات في دفع البلايا عن نفوسهم وعن أموالهم ، ولآخرين في لذاذات بسطهم ، ولآخرين في حلاوة طاعاتهم ، ولآخرين في أنس أنفاسهم . قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 34 ] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 34 ) الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات ، متفقة فيما كان من جملة المعارف ، ثم هم فيها مختلفون : فقوم هم أصحاب التضعيف « 3 » فيما أوجب عليهم وجعل لهم ، وقوم هم أصحاب التخفيف فيما ألزموا وفيما وعد لهم . قوله « لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى . . » وذكر اسم اللّه على ما رزقهم على أقسام : منها معرفتهم إنعام اللّه بذلك عليهم . . وذلك من حيث الشكر ، ثم يذكرون اسمه على ما رفقهم لمعرفته بأنه هو الذي يتقبل منهم وهو الذي يثيبهم . قوله جل ذكره : فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ . أي استسلموا لحكمه بلا تعبيس ولا استكراه من داخل القلب .

--> ( 1 ) هذه وجهة نظر باحث صوفي فيما يشغل المتكلمين عن الجبر والاختيار . ( 2 ) أي بحسب ماله من قدر وهمة ، وما هو واقف عنده من حد ورتبة . ( 3 ) أصحاب التضعيف أي أصحاب التشدد الذين يأبون اتباع الرخص ، لأن الرخص لا تكون إلا لأرباب الحوائج والأشغال وهؤلاء لا حاجة ولا شغل لهم إلا بالحق .