ابو القاسم عبد الكريم القشيري

515

لطائف الإشارات

ويقال لم يكن هذا القول من أيوب ولكنه استغاثة البلاء منه ، فلم يطق البلاء صحبته فضجّ منه البلاء لا أيوب ضجّ من البلاء . . وفي معناه أنشدوا . صابر الصبر فاستغاث به الصبر * فصاح المحبّ بالصبر صبرا ويقال همزة الاستفهام فيه مضمرة ، ومعناه : أيمسني الضرّ وأنت أرحم الراحمين ؟ كما قال « وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ » « 1 » أي أتلك نعمة تمنها علىّ أن عبدت بني إسرائيل ؟ ويقال إن جبريل - عليه السلام - أتى أيوب فقال : لم تسكت ؟ فقال : ماذا أصنع ؟ فقال : إنّ اللّه سببان عنده بلاؤك وشفاؤك . . . فاسأل اللّه العافية فقال أيوب : إني مسني الضّر ، فقال تعالى : « فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ » والفاء تقتضى التعقيب ، فكأنه قال : فعافيناه في الوقت . وكأنه قال : يا أيوب ، لو طلبت العافية قبل هذا لاستجبنا لك . ويقال سقطت دودة كانت تأكل من بدنه على الأرض فرفعها أيوب ووضعها على موضعها ، فعقرته عقرة عيل صبره فقال : مسني الضر ، فقيل له : يا أيوب : أتصبر معنا ؟ لولا أنى ضربت تحت كل شعرة من شعراتك كذاخيمة من الصبر . . ما صبرت ساعة ! ويقال كانت الدودات التي تأكل منه أكلت ما علا بدنه ، فلم يبق منه إلا لسانه وقلبه ، فصعدت دودة إلى لسانه ، وأخرى إلى قلبه فقال : « مَسَّنِيَ الضُّرُّ » . . . فلم يبق لي إلا لسان به أذكرك ، أو قلب به أعرفك ، وإذ لم يبق لي ذلك فلا يمكنني أن أعيش وأصبر ! ويقال استعجمت عليه جهة البلاء فلم يعلم أنه يصيبه بذلك تطهيرا أو تأديبا أو تعذيبا أو تقريبا أو تخصيصا أو تمحيصا . . . وكذلك كانت صحبته « 2 » . ويقال قيل لأيوب عليه السلام سل العافية فقال : عشت في النّعم سبعين سنة فحتى يأتي علىّ سبعون سنة في البلاء . . وعندئذ أسأل اللّه العافية !

--> ( 1 ) آية 22 سورة الشعراء . ( 2 ) أي وهكذا كانت صحبة الحق لوليه دائما .