ابو القاسم عبد الكريم القشيري

516

لطائف الإشارات

وقيل لمّا كشف اللّه عنه البلاء قيل له : ما أشدّ ما لقيت في أيام البلاء ؟ فقال شماتة الأعداء : وفي القصة أن تلامذة أيوب كسروا أقلامهم ، وحرّقوا ما كتبوه عنه وقالوا : لو كان لك عند اللّه منزلة لما ابتلاك بكل هذا البلاء ! وقيل لم يبق معه إلا زوجه ، وكانت من أولاد يوسف النبي عليه السلام ، فهي التي بقيت معه وكانت تخدمه وتتعهده . ويقال إنما بقيت تلك المرأة معه لأنها كانت من أهل البلاء من آل يعقوب - عليه السلام . وقيل إنما قال : مسني الضرّ لمّا قال لها الشيطان : إنّ أردت أن يشفى مريضك فاسجدى لي ، ولم تعلم أنه إبليس لأنه ظهر لها في صورة إنسان ، فأخبرت أيوب بذلك فقال عندئذ : « مَسَّنِيَ الضُّرُّ » . ويقال لمّا ظهر به البلاء اجتمع قومه وقالوا لها : أخرجي هذا المريض من قريتنا ، فإننا نخاف العدوي وأن يمسنّا بلاؤه ، وأن نعدى إلينا علّته ، فأخرجته إلى باب القرية فقالوا : إنا إذا أصبحنا وقعت أبصارنا عليه ، فنتشاءم به ، فأبعديه عن أبصارنا ، فحملته إلى أرض قفر ، وكانت تدخل البلد ، وتستأجر للخبز والعمل في الدور ، فتأخذ الأجرة وتحملها إليه ، فلما علموا أنّها امرأته استقذروها ولم يستعملوها . ويقال إنها كانت ذات ذوائب وقرون ، وكان أيوب يأخذ بذوائبها عند نهوضه ، فباعت ذوائبها برغيف أخذته لتحمله إليه ، فوسوس له الشيطان بأنها فعلت الفحشاء ، وأن شعرها جزّ في ذلك فحلف أيوب أن يجلدها إذا صحّ حدسه ، وكانت المحنة على قلب تلك المرأة أشدّ مما على بدن أيوب من كل المحن . وقيل إن امرأته غابت ودخلت البلد ، فعافى اللّه أيوب عليه السلام ، وعاد شابا طريا كما قال في قصته قوله : « ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ » « 1 » . فلما رجعت

--> ( 1 ) آية 42 سورة ص