ابو القاسم عبد الكريم القشيري
491
لطائف الإشارات
السورة التي يذكر فيها الأنبياء قوله جل ذكره : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . بسم اللّه اسم عزيز من توسّل إليه بطاعته تفضّل عليه بجميل نعمته ؛ إن أطاع فضّله ، وإن أضاع أمهله ، ثم إن آب وأقر . . ذكره ، وإن عصى وعاب ستره ، فإن تنصّل رحمه ، وإن تكبر قصمه « 1 » . اسم عزيز ما استنارت الظواهر إلّا بآثار توفيقه ، وما استضاءت السرائر إلا بأنوار تحقيقه ؛ بتوفيقه وصل العابدون إلى مجاهدتهم ، وبتحقيقه وجد العارفون كمال مشاهدتهم ، وبتمام مجاهدتهم وجدوا آجل مثوبتهم ، وبدوام مشاهدتهم نالوا عاجل قربتهم . قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ( 1 ) فالمطيعون منهم عظم لدينا ثوابهم ، والعاصون منهم حقّ منّا عقابهم . « فِي غَفْلَةٍ » يقال الغفلة على قسمين : غافل عن حسابه باستغراقه في دنياه وهواه ، وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه ؛ فالغفلة الأولى سمة الهجر والغفلة الثانية صفة الوصل ؛ فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا من سكرة الموت ، وهؤلاء لا يرجعون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم في وجود الحق تعالى « 2 » . قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 2 ] ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) :
--> ( 1 ) يمكن القول أن هناك نوعا من الترابط والانسجام بين إشارات البسملة - على هذا النحو - وبين جزئيات السورة ، حيث انقسم الناس إزاء الأنبياء إلى مصدق ومكذب ، ومؤمن وجاحد . . ونال كل جزاءه . ( 2 ) تهمنا هذه الإشارة عند دراسة المصطلح الصوفي ؛ فالغفلة نوعان : مذمومة ومحمودة ؛ غفلة ناشئة عن الهجر وغفلة ناشئة عن الوصل .