ابو القاسم عبد الكريم القشيري
492
لطائف الإشارات
لم يجدد إليهم رسولا إلا ازدادوا نفورا ، ولم ينزّل عليهم خطابا إلا ردّوه جحدا وتكذيبا ، وما زدناهم فصلا إلا عدوّه هزلا ، وما جددنا لهم نعمة إلا فعلوا ما استوجبوا نقمة ، فكان الذي أكرمناهم به محنة بها بلوناهم . . وهذه صفة من أساء مع اللّه خلقه ، وخسر عند اللّه حقّه . قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 3 ] لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 3 ) عميت بصائرهم وغامت أفهامهم ، فهم في غباوة لا يستبصرون ، وفي أكنة عمّا أقيم لهم من البرهان فهم لا يعلمون . قوله : « وَأَسَرُّوا النَّجْوَى . . . » لمّا عجزوا عن معارضته ، وسقطوا عند التحدي ، وظهرت عليهم حجّته رجّموا فيه الفكر ، وقسّموا فيه الظن ؛ فمرة نسبوه إلى السحر ، ومرة وصفوه بقول الشعر ، ومرة رموه بالجنون وفنون من العيوب . وقبل ذلك كانوا يقولون عنه : هو محمد الأمين ، كما قيل : أشاعوا لنا في الحىّ أشنع قصة * وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 4 ] قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 4 ) الأقاويل التي يسمعها الحقّ - سبحانه - مختلفة ؛ فمن خطاب بعضهم مع بعض ، ومن بعضهم مع الحق . والذين يخاطبون الحقّ : فمن سائل يسأل الدنيا ، ومن داع يطلب كرائم العقبي ، ومن مثن يثنى على اللّه لا يقصد شيئا من الدنيا والعقبى . ويقال يسمع أنين المذنبين سرا عن الخلق حذرا أن يفتضحوا ، ويسمع مناجاة العابدين بنعت التسبيح إذا تهجدوا ، ويسمع شكوى المحبين إذا مسّتهم البرحاء « 1 » فضجّوا من شدة الاشتياق .
--> ( 1 ) البرحاء : الشدة .