ابو القاسم عبد الكريم القشيري

484

لطائف الإشارات

ويقال لولا أنه أراد لآدم ما كان لطالت تلك الشجرة حتى ما كانت لتصل إليها يده ، ولكنه - كما في القصة - كانت لا تصل إلى أوراقها يده - بعد ما أكل منها - حينما أراد أن يأخذ منها ليسترد عورته « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 121 ] فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) لمّا ارتكبا المنهىّ عنه ظهر ما يستحي من ظهوره ، ولكنّ اللّه - سبحانه - ألطف معهما في هذه الحالة بقوله : فبدت لهما سوآتهما ، ولم يقل - مطلقا - فبدت سوءتهما ؛ أي أنه لم يطلع على سوءتهما غيرهما . ويقال لمّا تجرّدا عن لباس التقوى تناثر عنهما لباسهما الظاهر . قوله جل ذكره : وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أول الحرف والصناعات - على مقتضى هذا - الخياطة ، وخياطة الرّقاع بعضها على بعض للفقراء ميراث من أبينا آدم - عليه السلام « 2 » . ويقال كان آدم - عليه السلام - قد أصبح وعليه من حلل الجنة وفنون اللّباس ما اللّه به أعلم ، ثم لم يمس حتى كان يخصف على نفسه من ورق الجنة ، وهكذا كان في الابتداء ما هو موروث في أولاده من هناء بعده بلاء . قوله تعالى : « وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ » « 3 » : عند ذلك وقعت عليهما الخجلة لمّا ورد عليهما خطاب الحقّ : « أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ . . . » ولهذا قيل : كفى للمقصّر الحياء يوم اللقاء قوله تعالى : « قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا . . » « 4 » : لم يتكلما بلسان الحجة فقالا : « رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا » ، ولم يقولا : بظلمنا صرنا من الخاسرين ، بل قالا : « وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ »

--> ( 1 ) وفي هذا تحذير ضمني للأكابر من الوقوع في الزلة ، وكيف أن كرامة الولي تتلاشى بزلته . ( 2 ) لاحظ أهمية ذلك عندما نؤرخ للخرقة والمرقعة عند الصوفية . ( 3 ) آية 22 سورة الأعراف . ( 4 ) آية 23 سورة الأعراف .