ابو القاسم عبد الكريم القشيري
485
لطائف الإشارات
ليعلم أنّ المدار على حكم الربّ لا على جرم الخلق . قوله جل ذكره : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى لمّا وقعت عليه سمة العصيان - وهو أوّل البشر - كان في ذكر هذا تنفيس لأولاده ؛ أن تجرى عليهم زلّة وهم بوصف الغيبة في حين الفترة . ويقال كانت تلك الأكلة شيئا واحدا ، ولكن قصتها يحفظها ويرددها الصبيان إلى يوم القيامة . وعصى آدم ربّه ليعلما أن عظم الذنوب لمخالفة الآمر وعظم قدره . . لا لكثرة المخالفة في نفسها . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 122 ] ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ( 122 ) أخبر أنه بعد ما عصى ، وبعد كلّ ما فعله اجتباه ربّه ؛ فالذي اصطفاه أوّلا بلا علّة « 1 » اجتباه ثانيا بعد الزّلّة ، فتاب عليه ، وغفر ذنبه ، « وَهَدى » : أي هداه إليه حتى اعتذر واستغفر . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 123 ] قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 123 ) أوقع العداوة بين آدم وإبليس والحية ، وقد توالت المحن على آدم وحواء بعد خروجهما من الجنة بسمة العصيان ، ومفارقة الجنة ، ودخول الدنيا ، وعداوة الشيطان ، والابتلاء بالشهوات . ثم قال : « فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ . . . » وترك هواه ، ولم يعمل بوسوسة العدوّ فله كلّ خير ، ولا يلحقه ضير . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 124 إلى 126 ] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) الكافر إذا أعرض عن ذكره بالكلية فله المعيشة الضنك في الدنيا ، وفي القبر ،
--> ( 1 ) تفيد هذه العبارة في بيان أهمية الاصطفاء الإلهى ، وأن العمل الإنسانى له الدرجة الثانية في الأهمية . ثم تفيد في بيان الفرق في الاصطلاح بين ( الاصطفاء ) و ( الاجتباء ) .