ابو القاسم عبد الكريم القشيري
48
لطائف الإشارات
منهم من أكّد العقد مع اللّه ، ثم نقضه ، فلحقه شؤم ذلك ؛ فبقى خالدا في نفاقه . ويقال تطلّب إحسان ربّه ، وتقرّب إليه بإبرام عهده فلمّا حقّق اللّه مسئوله واستجاب مأموله ، فسخ ما أبرمه ، وانسلخ عما التزمه ، واستولى عليه البخل ، فضنّ بإخراج حقه ، فلحقه شؤم نفاقه ، بأن بقي إلى الأبد في أسره . وحدّ البخل - على لسان العلم - منع الواجب . وبخل كلّ أحد على ما يليق بحاله ، وكلّ من آثر شيئا من دون رضاء ربّه فقد اتصف ببخله ، فمن يبخل بماله تزل عنه البركة حتى يؤول إلى وارث أو يزول بحارث . ومن يبخل بنفسه ويتقاعس عن طاعته تفارقه الصحة حتى لا يستمتع بحياته . والذي يبخل بروحه عنه يعاقب بالخذلان حتى تكون حياته سببا لشقائه . قوله جلّ ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 77 ] فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) أعقبهم ببخلهم نفاقا في قلوبهم ، ويصحّ أعقبهم اللّه نفاقا في قلوبهم ، وفي الجملة : من نقض عهده في نفسه رفض الودّ من أصله ، وكلّ من أظهر في الجملة خيرا واستبطن شرا فقد نافق بقسطه . والمنافق في الصف الأخير في دنياه ، وفي الدّرك الأسفل من النار في عقباه . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 78 ] أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 78 ) خوّفهم بعلمه كما خوّفهم بفعله في أكثر من موضع من كتابه . و « سِرَّهُمْ » مالا يطلع عليه غير اللّه . و « نَجْواهُمْ » ما يتسارّون بعضهم مع بعض . ويحتمل أن يكون ما لنفوسهم عليه إشراف من خواطرهم « 1 »
--> ( 1 ) يقول القشيري في رسالته في معنى « السر » هو محل المشاهدة كما أن الأرواح محل للمحبة والقلوب محل للمعارف . وقالوا السر ما لك عليه إشراف ، وسر السر ما لا اطلاع عليه لغير الحق .