ابو القاسم عبد الكريم القشيري

459

لطائف الإشارات

إنما أمرهما بالملاينة معه في الخطاب لأنه كان أول من دعوه إلى الدّين ، وفي حال الدعوة يجب اللّين « 1 » ؛ فإنه وقت المهلة ، فلا بدّ من الإمهال ريثما ينظر « 2 » ؛ قال اللّه لنبينا صلى اللّه عليه وسلم : « وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ « 3 » » : وهو الإمهال حتى ينظروا ويستدلوا ، وكذلك قال : « قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ » « 4 » . ثم إذا ظهر من الخصم التمرّد والإباء فحينئذ يقابل بالغلظة والحتف . ويقال علّمهما خطاب الأكابر ذوى الحشمة ؛ ففرعون - وإن كان كافرا - إلا أنه كان سلطان وقته ، والمتسلّط على عباد اللّه . ويقال إذا كان الأمر في مخاطبة الأعداء بالرّفق والملاينة . . فكيف مع المؤمن في السؤال ؟ ويقال في هذا إشارة إلى سهولة سؤال الملكين في القبر للمؤمن . ويقال إذا كان رفقه بمن جحده فكيف رفقه بمن وحده ؟ ويقال إذا كان رفقه بالكفّار فكيف رفقه بالأبرار ؟ ويقال إذا كان رفقه بمن قال : أنا . . فكيف رفقه بمن قال : أنت ؟ ويقال إنه « 5 » أحسن تربية موسى عليه السلام ؛ فأراده أن يرفق به اليوم في الدنيا على جهة المكافأة . وقيل تفسير هذا ما قال في آية أخرى « فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى » « 6 » . وقوله : « لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى » : أي كونا على رجاء أن يؤمن . ولم يخبرهما أنه لا يؤمن

--> ( 1 ) وردت ( التمكين ) وهي خطأ في النسخ وقد انتبه أحد القراء إلى هذا الخطأ فوضع علامة استفهام صغيرة . ( 2 ) النظر هنا معناها التفكر في الأمر . ( 3 ) آية 125 سورة النحل . ( 4 ) آية 46 سورة سبأ . ( 5 ) أي فرعون . ( 6 ) آية 18 سورة النازعات .