ابو القاسم عبد الكريم القشيري

460

لطائف الإشارات

لئلا تتداخلهما فترة في تبليغ الرسالة علما منه « 1 » بأنه لا يؤمن ولا يقبل . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 45 ] قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) في الآية دليل على أنّ الخوف « 2 » الذي تقتضيه جبلة الإنسان غير ملوم صاحبه عليه ، حيث قال مثل موسى ومثل هارون عليهما السلام : « إِنَّنا نَخافُ » . ثم إنّه سبحانه سكّن ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما . ويقال لم يخافا على نفسيهما شفقة عليهما ، ولكن قالا : إننا نخاف أن تحل بنا مكيدة من جهته ، فلا يحصل فيما تأمرنا به قيام بأمرك ، فكان ذلك الخوف لأجل حقّ اللّه لا لأجل حظوظ أنفسهما . ويقال لم يخافا من فرعون ، ولكن خافا من تسليط اللّه إياه عليهما ، ولكنهما تأدّبا في الخطاب . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 46 ] قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) تلطّف في استجلاب هذا القول من الحق سبحانه ، وهو قوله : « إِنَّنِي مَعَكُما » بقولهما : « إِنَّنا نَخافُ » ، وكان المقصود لهما أن يقول الحق لهما : « إِنَّنِي مَعَكُما » وإلا فأنّى بالخوف لمن هو مخصوص بالنبوّة ؟ ! ويقال سكّن فيهما الخوف بقوله : « إِنَّنِي مَعَكُما » ، فقويا على الذهاب إليه ؛ إذ من شرط التكليف التمكين . قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : آية 47 ] فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ( 47 )

--> ( 1 ) وردت ( منهم ) وهي خطأ في النسخ لأن المقصود : مع أنه سبحانه عليم بأنه لن يؤمن ولن يقبل . ( 2 ) في هذه الإشارة توضيح هام لاصطلاح ( الخوف ) .