ابو القاسم عبد الكريم القشيري
424
لطائف الإشارات
قالت أنى يكون لي ولد ولم ألمّ بزلة ولا فاحشة ؟ فقال جبريل - عليه السلام - : الأمر كما قلت لك ؛ فلا يتعصّى ذلك على اللّه تعالى ؛ إذ هو أقدر أن يجعل هذا الولد دلالة على كمال قدرته ، ويكون هذا الولد رحمة منه - سبحانه - لمن آمن ، وسبب جهل للآخرين . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 22 ] فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) لمّا ظهر بها الحمل ، وعلمت أنّ الناس يستبعدون ذلك ، ولم تثق بأحد تفشى إليه سرّها . . مضت إلى مكان بعيد عن الخلق . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 23 ] فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) ألجأها وجع الولادة إلى الاعتماد إلى جذع النخلة . ولمّا أخذها الطلق ، وداخلها الخجل من قومها نطقت بلسان العجز ، وقالت : « يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا » . ويقال يحتمل أنها قالتها إشفاقا من قومها ، لأنها علمت أنّهم سيبسطون لسان الملامة فيها بلسان الفجر ؛ وينسبونها إلى الفحشاء . ويقال قالتها شفقة على قومها لئلا تصيبهم بسببها عقوبة . ويقال قالت : « يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا » حتى لم أسمع من قال في اللّه تعالى بسببي إن عيسى ابن اللّه وابن مريم ، وإن مريم زوجته . . . تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ! ويقال « يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا » : في الوقت الذي كنت مرفوقا بي ، ولم تستقبلني هذه الخشونة في الحالة التي لحقتني .