ابو القاسم عبد الكريم القشيري

423

لطائف الإشارات

وكذلك هو في القيامة له منه - سبحانه - الأمان ؛ فهو في الدنيا معصوم عن الزلة . محفوظ عن الآفة . وفي الآخرة معصوم عن البلاء والمحنة . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 16 إلى 17 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) اعتزلت عنهم لتحصيل يطهرها ، فاستترت عن أبصارهم . فلمّا أبصرت جبريل في صورة إنسان لم تتوقعه أحسّت في نفسها رعبا ، ولم تكن لها حيلة إلا تخويفه باللّه ، ورجوعها إلى اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 18 ] قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالت مريم لجبريل - وهي لم تعرفه - إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ممن يجب أن يخاف ويتقّى منه ؛ أي إن كنت تقصد السوء . ومعنى قولها « بِالرَّحْمنِ » ولم تقل : « بالله » - أي بالذي يرحمني فيحفظنى منك . ويقال يحتمل أن يكون معناه : إن كنت تعرف اللّه وتكون متقيا مخالفة أمره فإنّى أعوذ باللّه منك وأحذر عقوبته . قوله جل ذكره : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 19 ] قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) تعرّف جبريل إليها بما سكّن روعها ، وقرن مقالته بالتبشير لها بعيسى عليه السلام . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 20 إلى 21 ] قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 )