ابو القاسم عبد الكريم القشيري
409
لطائف الإشارات
« لَكَ أَمْراً » : أطلقه ولم يقرنه بالاستنشاء ، فما استنشأ لأجله لم يخالفه فيه ، وما أطلقه وقع فيه الخلف « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 70 ] قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ( 70 ) فإنه ليس للمريد أن يقول : « لا » لشيخه ، ولا التلميذ لأستاذه ، ولا العامىّ ، للعالم المفتى فيما يفتى ويحكم . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 71 ] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ( 71 ) لما ركبوا الفلك خرقها وكان ذلك إبقاء على صاحبها لئلا يرغب في السفينة المخروقة الملك الطامع في السفن . وقوله : « لِتُغْرِقَ أَهْلَها » أي لتؤدى عاقبة هذا الأمر إلى غرق أهلها ؛ لأنه علم أنه لم يكن قصد إغراق أهل السفينة . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 72 ] قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 72 ) أي أنت تنظر إلى هذا من حيث العلم ، وإنّا نجريه من حيث الحكم . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 73 ] قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ( 73 ) طالبه بما هو شرط العلم حيث قال : « لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ » ؛ لأن الناسي لا يدخل تحت التكليف ، وأيّد ذلك بما قرن به قوله : « وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً » فالمتمكّن من حقه
--> ( 1 ) الخلف - الإخلاف ، فقد خالف موسى الأمر حين كان ينسى ويتساءل عقب كل حادثة في القصة ، وكان الحضر في كل مرة يقول : « أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً » .