ابو القاسم عبد الكريم القشيري
408
لطائف الإشارات
وقيل هو ما لا يعود منه نفع إلى صاحبه ، بل يكون نفعه لعباده ممّا فيه حقّ اللّه - سبحانه . ويقال هو ما لا يجد صاحبه سبيلا إلى جحده ، وكان دليلا على صحة ما يجده قطعا ، فلو سألته عن برهانه لم يجد عليه دليلا ؛ فأقوى العلوم أبعدها من الدليل « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 66 ] قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) تلطف في الخطاب حيث سلك طريق الاستئذان ، ثم صرّح بمقصوده من الصحبة بقوله : « عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً » . ويقال إن الذي خصّ به الخضر من العلم لم يكن تعلمه من أستاذ ولا من شخص ، فما لم يكن بتعليم أحد إياه . . متى كان يعلمه غيره ؟ قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 67 إلى 69 ] قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 ) سؤال بذلك العطف وجواب بهذا العطف ! ثم تدارك قلبه بقوله : « وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ؟ » ، فأجابه موسى : « قالَ سَتَجِدُنِي . . . » وعد من نفس موسى بشيئين : الصبر ، وبأن لا يعصيه فيما يأمر به ، فأمّا الصبر فقرنه بالاستثناء بمشيئة اللّه فقال : « سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً » فصبر حتى وجد صابرا ، فلم يقبض على يدي الخضر فيما كان منه من الفعل ، والثاني قوله : « لا أَعْصِي »
--> ( 1 ) وسر قوة العلم الذي يبعد عن الدليل أنه من الحق ، وبقدر ما تختفى الجوانب الإنسانية في العلم وتبرز المنن الإلهية فيه تكون نصاعة برهانه وقوة بيانه .