ابو القاسم عبد الكريم القشيري
405
لطائف الإشارات
لا أحد أظلم ممّن ذكّر ووعظ بما لوّح له من الآيات ، وبما شاهده وعرفه من أمر أصلح أو شغل كفى أو دعاء أجيب له ، أو سوء أدب حصل منه ، فأدّب بما يكون تنبيها له ، أو حصلت منه طاعة وكوفىء في العاجل إمّا بمعني وجده في قلبه من بسط أو حلاوة أو أنس ، وإمّا بكفاية شغل أو إصلاح أمر . . ثم إذا استقبله أمر نسي ما عومل به ، أو أعرض عن تذكّره ، ونسي ما قدّمت يداه من خيره وشرّه ، فوجد في الوقت موجبه . . ومن كانت هذه صفته جعل على قلبه سترا وغفلة وقسوة حتى تنقطع عنه بركات ما وهبه . ويقال من أظلم ممن يستقبله أمر مجازاة لما أسلفه من ترك أربه فيتّهم ربّه ، ويشكو مما يلاقيه ، وينسى حرمة الذي بسببه أصابه ما أصابه ؟ وكما قيل : وعاجز الرأي مضياع لفرصته * حتى إذا فات أمر عاتب القدرا قوله جلّ ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 58 ] وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ( 58 ) « غفور » : لأنه ذو الرحمة ، ورحمته الأزلية أوجبت المغفرة لهم . ويقال « الْغَفُورُ » : للعاصين من عباده ، و « ذُو الرَّحْمَةِ » بجميعهم فيصلح أحوال كافتهم . « لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا » : لعجّل لهم العذاب ؛ أي عاملهم بما استوجبوه من عصيانهم ، فعجّل لهم العقوبة ، لكنه يؤخرها لمقتضى حكمته ، ثم في العاقبة يفعل ما يفعل على قضية إرادته وحكمه . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 59 ] وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ( 59 ) لمّا لم يشكروا النّعم ولم يصبروا في المحن عجّلنا لهم العقوبة . ويقال لمّا غفلوا عن شهود التقدير ، وحرموا روح الرضا وكّلناهم إلى ظلمات تدبيرهم ، فطاحوا في أودية غفلاتهم .