ابو القاسم عبد الكريم القشيري

40

لطائف الإشارات

وهؤلاء القوم لا يقضى عنهم ما لزمهم امتلاك الحق « 1 » ، ولهذا قيل المعرفة غريم لا يقضى دينه . قوله جل ذكره : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ . وعلى لسان العلم : من سلك سبيل اللّه وجب له في الزكاة سهم على ما جاء بيانه في مسائل الفقه . وفي هذه الطريقة : من سلك سبيل اللّه تتوجّب عليه المطالبات ؛ فيبذل أولا ماله ثم جاهه ثم نفسه ثم روحه . . وهذه أول قدم في الطريق . قوله جل ذكره : وَابْنِ السَّبِيلِ وهو على لسان العلم : من وقع في الغربة ، وفارق وطنه على أوصاف مخصوصة . وعند القوم : إذا تغرّب العبد عن مألوفات أوطانه فهو في قرى « 2 » الحقّ ؛ فالجوع طعامه ، والخلوة مجلسه ، والمحبة شرابه ، والأنس شهوده ، والحقّ - تعالى - مشهوده . قال تعالى : « وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً » « 3 » : لقوم وعد في الجنة ، ولآخرين نقد في الوقت ؛ اليوم شراب المحابّ وغدا شراب الثواب ، وفي معناه أنشدوا : ومقعد قوم قد مشى من شرابنا * وأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا وأخرس لم ينطق ثلاثين حجّة * أدرنا عليه الكأس يوما فأخبرا قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 61 ] وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 61 ) عين العداوة بالمساوئ موكّلة ، وعين الرضا عن المعايب كليلة . بسطوا اللائمة في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعابوه بما هو أمارة كرمه ، ودلالة فضله ،

--> ( 1 ) أي أن دينهم ليس يقضى أبدا إذ أمرهم بيد مالكهم . ( 2 ) القرى - الضيافة والإكرام . ( 3 ) آية 21 سورة الإنسان