ابو القاسم عبد الكريم القشيري

396

لطائف الإشارات

أخبر أنه خلق رجلين جعل لهما جنتين على الوصف الذي ذكره ، فشكر أحدهما لخالقه وكفر الآخر برازقه ، فأصبح الكافر وجنّته أصابتها جائحة ، وندم على ما ضيّعه من الشكر ، وتوجّه عليه اللوم . وفي الإشارة يخلق عبدين يطيّب لهما الوقت ، ويمهّد لهما بساط اللطف ، ويمكّن لهما من البسط . . فيستقيم أحدهما في الترقي إلى النهاية من مقامات البداية بحسن المنازلة وصدق المعاملة ، فتميز له المجاهدة ثمرات أحسن الأخلاق فيعالجها بحسن الاستقامة ، ثم يتحقق بخصائص الأحوال الصافية ، ثم يختطف عنها بما يكاشف به من حقائق التوحيد ، ويصبح منتفى عن جملته باستهلاكه في وجود ما بان له من الحقائق . والثاني لا يقدّر قدر ما أهّل له من حسن البداية فيرجع إلى مألوفاته ، فينتكس أمره ، بانحطاطه إلى ذميم عاداته ، وفيرتدّ عن سلوك الطريقة ويتردّى « 1 » في ظلمة الغفلة ؛ فيصير وقته ليلا مظلما ، ويتطوح في أودية التفرقة ، ويوسم الطرد ، ويسقى شراب الإهانة ، وينخرط في سلك الهجر . . وذلك جزاء من لم يرهم الحقّ لوصلته أهلا ، ولم يجعل لولائهم في التحقيق والقبول أصلا : تبدّلت وتبدلنا يا حسرة لمن * ابتغى عوضا لسلمى فلم يجد قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ( 42 ) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 )

--> ( 1 ) وردت ( ويرتدى ) وهي خطأ في النسخ كما هو واضح من السياق .