ابو القاسم عبد الكريم القشيري

374

لطائف الإشارات

في أنوار الموحّدين بالتحير « 1 » ؛ تبصّر العلماء بصحة الاستدلال ، وتحيّر الموحدين في شهود الجمال والجلال . وبكاء كل واحد على حسب حاله : فالتائب يبكى لخوف عقوبته لما أسلفه من زلّته وحوبته ، والمطيع يبكى لتقصيره في طاعته ، ولكيلا يفوته ما يأمله من منّته . وقوم يبكون لاستبهام عاقبتهم وسابقتهم عليهم . وآخرون بكاؤهم بلا سبب متعين . وآخرون يبكون تحسرا على ما يفوتهم من الحق . والبكاء عند الأكابر معلول « 2 » ، وهو في الجملة يدل على ضعف حال الرجل ، وفي معناه أنشدوا : خلقنا رجالا للتجلد والأسى * وتلك الغواني للبكا والمآتم قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 110 ] قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 110 ) من عظيم نعمته - سبحانه - على أوليائه تنزّههم بأسرارهم في رياض ذكره بتعداد أسمائه الحسنى من روضة إلى روضة ، ومن مأنس إلى مأنس . ويقال الأغنياء ترددهم في بساتينهم ، والأولياء تنزههم في مشاهد تسبيحهم ، يستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله . قوله جل ذكره : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا . لا تجهر بجميعها ، ولا تخافت بكلّها ، وارفع صوتك في بعضها دون بعض . ويقال ولا تجهر بها جهرا يسمعه الأعداء ، ولا تخافت بها حيث لا يسمع الأولياء . « وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا » : يكون للأحباب مسموعا ، وعن الأجانب ممنوعا .

--> ( 1 ) ليس ( التحير ) هنا ناجما عن الشك ، وإنما ناجم عن شدة الوله وعنف الأخذ . ( 2 ) لأن الأكابر في حال التمكين لا التلوين .