ابو القاسم عبد الكريم القشيري
355
لطائف الإشارات
ومن سام « 1 » الناس ظلما وخسفا فبقدر ظلمه يعذّبه اللّه - سبحانه وتعالى - في الوقت بتنغيص العيش ، واستيلاء الغضب من كلّ أحد عليه ، وتترجّم ظنونه وتتقسّم أفكاره في أحواله وأشغاله . ولو ذاق من راحة الفراغ وحلاوة الخلوة شظية لعلم ما طعم الحياة . . ولكنّ حرموا النّعم ، وما علموا ما منوا به من النّقم . قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 59 ] وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ( 59 ) « 2 » أجرى اللّه سنّته أنه إذا أظهر آية اقترحتها أمّة من الأمم ثم لم تؤمن بها بعد إظهارها أن يعجّل لها العقوبة ، وكان المعلوم والمحكوم به ألا يجتاح العذاب القوم الذين كانوا في وقت الرسول - عليه السلام - لأجل من في أصلابهم من الذين علم أنهم يؤمنون ؛ فلذلك أخّر عنهم العذاب الذي تعجّلوه « 3 » . وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً التخويف بالآيات ذلك من مقتضى تجمله ؛ فإنّ لم يخافوا وقع عليهم العذاب . ثم إنه علم أنه لا يفوته شئ بتأخير العقوبة عنهم فأخّر العذاب ، وله أن يفعل ما يشاء بمقتضى حكمه وعلمه . قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 60 ] وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً ( 60 )
--> ( 1 ) وردت ( صام ) بالصاد وهي خطأ في النسخ . ( 2 ) اختار من الآيات التي اقترحها الأولون ناقة صالح ( عم ) لأن آثار هلاكهم قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم . ( 3 ) عن عائشة رضى اللّه عنها ( . . . ناداني ملك الجبال فسلم علىّ ثم قال : يا محمد ، إن اللّه قد سمع قول قومك لك ، وقد بعثني ربى إليك لتأمرني بأمرك فما شئت ؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ( جبلين يحيطان بمكة ) فقال النبي ( ص ) : بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه وحده لا يشرك به شيئا ) .