ابو القاسم عبد الكريم القشيري
320
لطائف الإشارات
الفاء للتعقيب ، « وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ . . . » الواو للعطف ففي الأولى معجّل ، وفي الثانية مؤجّل ، ثم ما تلك الحياة الطيبة فإنه لا يعرف بالنطق ، وإنما يعرف ذلك بالذوق ؛ فقوم قالوا إنه حلاوة الطاعة ، وقوم قالوا إنه القناعة ، وقوم قالوا إنه الرضا ، وقوم قالوا إنه النجوى ، وقوم قالوا إنه نسيم القرب . . . والكل صحيح ولكلّ واحد أهل . ويقال الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب ، وفي معناه قالوا : نحن في أكمل السرور ولكن * ليس إلا بكم يتمّ السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودّى * أنكم غيّب ونحن حضور ويقال الحياة الطيبة للأولياء ألا تكون لهم حاجة ولا سؤال ولا أرب ولا مطالبة ؛ وفرق بين من له إرادة فترفع وبين من لا إرادة له فلا يريد شيئا « 1 » ، الأولون قائمون بشرط العبودية ، والآخرون معتقون بشرط الحرية . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 98 ] فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) شيطان كلّ واحد ما يشغله عن ربه ، فمن تسلّطت عليه نفسه حتى شغلته عن ربه ولو بشهود طاعة أو استحلاء عبادة أو ملاحظة حال - فذلك شيطانه . والواجب عليه أن يستعيذ باللّه من شرّ نفسه ، وشرّ كل ذي شر . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 99 ] إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) أنّى يكون للشيطان سلطان على العبد والحقّ - سبحانه - متفرّد بالإبداع ، متوّحد بالاختراع ؟ . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 100 ] إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) .
--> ( 1 ) في هذا الصدد يقول القشيري في رسالته : « والمريد - على موجب الاشتقاق - من له إرادة كالعالم من له علم لأنه من الأسماء المشتقة ، ولكن المريد في عرف هذه الطائفة من لا إرادة له ؛ فمن يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا . ( الرسالة ص 101 ) .