ابو القاسم عبد الكريم القشيري

319

لطائف الإشارات

ويقال ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا فمعرّض للزوال ، وقابل للانقضاء ، وما وصفنا به أنفسا من الإقبال لا يتناهى وأفضال لا تفنى ، كما قيل : ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي * وإني للقائهم لأشدّ شوقا قوله : « وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا . . . » : جزاء الصبر الفوز بالطّلبة ، والظّفر بالبغية . ومآلهم في الطلبات يختلف : فمن صبر على مقاساة مشقة في اللّه . فعوضه وثوابه عظيم من قبل اللّه ، قال تعالى : « إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ » « 1 » . ومن صبر عن اتباع شهوة لأجل اللّه ، وعن ارتكاب هفوة مخافة للّه فجزاؤه كما قال تعالى : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً » « 2 » . ومن صبر تحت جريان حكم اللّه ، متحققا بأنه بمرآة من اللّه فقد قال تعالى : « إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ » * « 3 » . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 97 ] مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) الصالح ما يصلح للقبول ، والذي يصلح للقبول ما كان على الوجه الذي أمر اللّه به . وقوله « مَنْ عَمِلَ صالِحاً » : في الحال ، « فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً » : في المآل ؛ فصفاء الحال يستوجب وفاء المآل ، والعمل الصالح لا يكون من غير إيمان ، ولذا قال : « وَهُوَ مُؤْمِنٌ » . ويقال « وَهُوَ مُؤْمِنٌ » أي مصدّق بأن إيمانه من فضل اللّه لا بعمله الصالح . ويقال « وَهُوَ مُؤْمِنٌ » أي مصدّق بأن عمله بتوفيق اللّه وإنشائه وإبدائه . قوله « فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً » :

--> ( 1 ) آية 10 سورة الزمر . ( 2 ) آية 75 سورة الفرقان . ( 3 ) صبر العبد مع اللّه أشد أنواع الصبر ويكون - كما يقول عمرو بن عثمان : بالثبات مع اللّه ، وتلقى بلائه بالرحب والدعة . وصبر اللّه مع العبد يصفه الشيخ الدقاق بقوله : فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من اللّه تعالى معيته . ( الرسالة ص 93 ) .