ابو القاسم عبد الكريم القشيري

256

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « فَإِنَّهُ مِنِّي » : أي موافق لي ومن أهل ملّتى ، ومن عصاني خالفني وعصاك . قوله : « فَإِنَّكَ « 1 » غَفُورٌ رَحِيمٌ » : طلب للرحمة بالإشارة ، أي فارحمهم . وقال : « وَمَنْ عَصانِي » . . ولم يقل : من عصاك ، وإن كان من عصاه فقد عصى اللّه ، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه ، ولم ينتصر لنفسه بل قابلهم بالرحمة . ويقال إن قول نبينا صلى اللّه عليه وسلم في هذا الباب أتمّ في معنى العفو حيث قال : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » ، وإبراهيم - عليه السلام - عرّض وقال : « فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . ويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب « 2 » فقال : « وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . قوله جل ذكره : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 37 ] رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) أخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله : « إِنِّي أَسْكَنْتُ . . . » وإنما رأى الرّفق بهم في الجوار لا في المبارّ فقال : « عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ » ثم قال : « لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ » : أي أسكنتهم لإقامة حقّك لا لطلب حظوظهم . ويقال اكتفى أن يكونوا في ظلال عنايته عن أن يكونوا في ظلال نعمته .

--> ( 1 ) أخطأ الناسخ إذ جعلها « فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » * . ( 2 ) تفيد هذه الإشارة في النواحي البلاغية حيث استبدل التعبير بالأسلوب الإنشائى بالأسلوب الخبرى .