ابو القاسم عبد الكريم القشيري

257

لطائف الإشارات

ثم قال : « فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ » أي ليشتغلوا بعبادتك ، وأقم قومي - ما بقوا - بكفايتك ، « وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ » : فإنّ من قام بحقّ اللّه أقام اللّه بحقّه قومه ، واستجاب اللّه ، دعاءه فيهم ، وصارت القلوب من كل بر وبحر كالمجبولة على محبة تلك النسبة ، وأولئك المتصلين به ، وسكان ذلك البيت . ويقال قوله : « بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ » : أي أسكنتهم بهذا الوادي حتى لا تتعلق بالأغيار قلوبهم ، ولا تشتغل بشئ أفكارهم وأسرارهم ؛ فهم مطروحون ببابك ، مصونون بحضرتك ، مرتبطون بحكمك ؛ إن راعيتهم كفيتهم وكانوا أعزّ خلق اللّه ، وإن أقصيتهم ونفيتهم كانوا أضعف وأذلّ خلق اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 38 ] رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 38 ) استأثرت بعلم الغيب فلا يعزب عن علمك معلوم ، وحالي لا تخفى عليك ، فهي كما عرفت ، أنت تعلم سرّى وعلني . . . ومن عرف هذه الجملة استراح من طوارق الأغيار ، واستروح قلبه عن ترجّم الأفكار ، والتّقّسم في كون الحوادث من الأغيار . قوله جل ذكره : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 39 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( 39 ) أسعده بمنحه الولد على الكبر ، ويلتحق ذلك بوجه من المعجزات ؛ فحمد عليه . ولمّا كان هذا القول عقيب سؤاله ما قدّم من ذكر نعمته - سبحانه - عليه ، وإكرامه بأنواره ، وهذا يكون بمعنى الملق « 1 » ، ويكون استدعاء نعمة بنعمة ، فكأنه قال : كما أكرمتني بهبة الولد على الكبر ؛ فأكرمني بهذه الأشياء التي سألتها . ويقال الإشارة في هذا أنه قال : كما مننت علىّ فوهبتنى على الكبر هذه الأولاد

--> ( 1 ) الملق - الدعاء والتضرع ( الوسيط ) .