ابو القاسم عبد الكريم القشيري

255

لطائف الإشارات

وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن « 1 » وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية له . فكيف يأتي الحصر والإحصاء على مالا يتناهى ؟ وكما أن النّفع من نعمه فالدفع أيضا من نعمه . ويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحقّ على العبد فإذا أراد أن يشكره لم يمكنه إلا بتوفيق آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه . قوله جل ذكره : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) « 2 » كما سأل أن يجعل مكة بلدا آمنا طلب أن يجعل قلبه محلا آمنا ؛ أي لا يكون فيه شئ إلا باللّه . « وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ » : والصنم ما يعبد من دونه ، قال تعالى : « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » « 3 » فصنم كلّ أحد ما يشغله عن اللّه تعالى من مال وولد وجاه وطاعة وعبادة . ويقال إنه لمّا بنى البيت استعان باللّه أن يجرّده من ملاحظة نفسه وفعله . ويقال إنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان مترددا بين شهود فضل اللّه وشهود رفق نفسه ، فلما لقى من فضله وجوده قال من كمال بسطه : « وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ » . ولما نظر من حيث فقر نفسه قال : « وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ » . ويقال شاهد غيره فقال : « وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ » ، وشاهد فضله ورحمته ولطفه فقال : « وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ » .

--> ( 1 ) وردت ( المحسن ) وهي خطأ في النسخ . ( 2 ) سقطت ( وإذ ) من الناسخ . ( 3 ) آية 23 سورة الجاثية .