ابو القاسم عبد الكريم القشيري
249
لطائف الإشارات
لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة ولا محجوبة ، وهي في كل وقت ونفس تبدو لهم غير محجوبة . وثمرات الشجرة أشرف الثمار ، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار ، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والنّور . ويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية ، وللرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بالنبوة . وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرّ مخلص . والشجرة الطيبة المعرفة ، وأصلها ثابت في أرض غير سبخة ، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق ، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة لا تنبت . ثم لا بدّ للشجرة من الماء ، وماء هذه الشجرة دوام العناية ، وإنما تورق بالكفاية ، وتتورّد بالهداية . ويقال ماء هذه الشجرة ماء الندم والحياء والتلهف والحسرة والأمانة والخشوع وإسبال « 1 » الدموع . ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم ؛ فمنها التوكل والتفويض والتسليم ، والمحبة والشوق ، والرضا ، والأحوال الصافية الوافية ، والأخلاق العالية الزكية . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي كلمة الكفر ، وخبثها ما صحبها من نجاسة الشّرك ، فخبث الكلمة لصدورها عن قلب هو مستقرّ الشّرك ومنبعه . والشجرة الخبيثة هي الشّرك اجتثّ من فوق الأرض ؛ لأن الكفر متناقض متضاد ، ليس له أصل صحيح ، ولا برهان موجب ، ولا دليل كاشف ، ولا علة مقتضية ، إنما هو شبه وأباطيل وضلال ، تقتضى وساوس وتسويلات ما لها من قرار ، لأنها حاصلة من شبه واهية وأصول فاسدة . قوله جل ذكره : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 27 ] يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ( 27 )
--> ( 1 ) أسبلت العين - سال دمها ( الوسيط ج 1 ص 417 ) .