ابو القاسم عبد الكريم القشيري
192
لطائف الإشارات
المحبّ غيور ؛ فلمّا كان يعقوب عليه السلام قد تسلّى عن يوسف برؤية ابنه بنيامين غار يوسف أن ينظر إليه يعقوب « 1 » . ويقال تلطّف يوسف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب ، وأما الترغيب ففي ماله الذي أوصله إليهم وهو يقول : « أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ » وفي إقباله عليهم وفي إكرامه لهم وهو يقول : « وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ » . وأمّا الترهيب فبمنع المال وهو يقول : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 60 ] فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 ) أي فإن لم تؤامنونى عليه فلا كيل لكم عندي ، وأمنع الإكرام والإقبال عنكم . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 61 ] قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) لما علم يوسف من حالهم أنهم باعوه بثمن بخس علم أنهم يأتونه بأخيهم طمعا في إيفاء الكيل ، فلن يصعب عليهم الإتيان به . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 62 ] وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 ) جعل بضاعتهم في رحالهم - في باب الكرم - أتمّ من أن لو وهبها لهم جهرا ؛ لأنه يكون حينئذ فيه تقليد منه بالمواجهة ، وفي تمليكها لهم بإشارة تجرّد من تكلّف تقليد منه بالمحاضرة « 2 » . ويقال علم أنهم لا يستحلّون مال الغير فدسّ بضاعتهم في رحالهم ، لكن إذا رأوها قالوا : هذا وقع في رحالنا منهم بغلط ، فالواجب علينا ردّها عليهم . وكانوا يرجعون بسبب ذلك شاءوا أم أبوا .
--> ( 1 ) وكذلك فإن للحق غيرة على عبده المؤمن أن يساكن سواه . ( 2 ) وكذلك نعمة الحق تأتى في خفاء . . . وقلّ من يفطن إليها .