ابو القاسم عبد الكريم القشيري

191

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 56 ] وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) لمّا لم تكن له دواعي الشهوات من نفسه مكّنه اللّه من ملكه - قال تعالى : « وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها » « 1 » - فقال : « وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » . ثم أخبر عن حقيقة التوحيد ، وبيّن أنه إنما يوفّى عباده من ألطافه بفضله لا بفعلهم ، وبرحمته لا بخدمتهم ؛ فقال : « نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ » ثم يرقى همهم عما أولاهم من النّعم فقال : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 57 ] وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) ليعلم أنّه لا بدّ من التقوى ومخالفة الهوى . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 58 ] وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) عرف يوسف - عليه السلام - إخوته وأنكروه ، لأنهم اعتقدوا أنّه في رقّ العبودية لمّا باعوه ، بينما يوسف - في ذلك الوقت - كان قاعدا بمكان الملك . فمن طلب الملك في صفة العبيد متى يعرفه ؟ وكذلك من يعتقد في صفات المعبود ما هو من صفات الخلق . . . متى يكون عارفا ؟ هيهات هيهات لما يحسبون ! ويقال لمّا أخفوه صار خفاؤه حجابا بينهم وبين معرفتهم إياه ، كذلك العاصي . . . بخطاياه وزلاته تقع غبرة على وجه معرفته . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 59 ] وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 )

--> ( 1 ) آية 63 سورة الشورى .