ابو القاسم عبد الكريم القشيري

179

لطائف الإشارات

وقوله : « كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ » صرف عنه السّوء حتى لم يوجد منه العزم على ذلك الفعل - وإن كان منه همّ - إلا أن ذلك لم يكن جرما كما ذكرنا . والصّرف عن الطريق بعد حصول الهمّ - كشف ، والسوء المصروف عنه هو العزم على الزنا والفحشاء أو نفس الزنا ، وقد صرفهما اللّه تعالى عنه . قوله « إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ » : لم تكن نجاته في خلاصه ، ولكن في صرف السوء عنه واستخلاصه . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 25 ] وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 25 ) استبقا ، هذا ليهرب ، وهذه للفعلة التي كانت تطلب . ولم يضر يوسف - عليه السلام - أن قدّت قميصه وهو لباس دنياه بعد ما صحّ عليه قميص تقواه . ويقال « 1 » لم تقصد قدّ القميص وإنما تعلّقت به لتحبسه على نفسها ، وكان قصدها بقاء يوسف - عليه السلام - معها ، ولكن صار فعلها وبالا على نفسها ، فكان بلاؤها من حيث طلبت راحتها وشفاءها . ويقال تولّد انخراق القميص من قبضها عليه وكان في ذلك افتضاح أمرها ؛ لأن قبضها على قميصه كان مزجورا عنه . . ليعلم أنّ الفاسد شجّه فاسد . ويقال لشدة استيلاء الهوى عليها لم تعلم في الحال أنها تقدّ قميصه من ورائه أو من قدّامه . . كذلك صاحب البلاء في الهوى مسلوب التمييز . ويقال لمّا لم تصل ولم تتمكن من مرادها من يوسف خرقت قميصه ليكون لها في إلقائها الذّنب على يوسف - عليه السلام - حجّة ، فقلب اللّه الأمر حتى صار ذلك عليها حجة ، وليوسف دلالة صدق ، قال تعالى : « وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ » « 2 »

--> ( 1 ) فيما يلي من إشارات تلاحظ أن القشيري قد جعل من امرأة العزيز رمزا لطالب الدنيا وأسير الهوى ومن يوسف رمزا مقابلا لذلك . ( 2 ) آية 43 سورة فاطر .