ابو القاسم عبد الكريم القشيري
170
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 8 ] إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 8 ) عرّفوا على ما ستروه من الحسد ، ولم يحتالوا في إخراج ذلك من قلوبهم بالوقيعة في أبيهم حتى قالوا : « إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . ويقال لمّا اعترضوا بقلوبهم على أبيهم في تقديم يوسف في المحبة عاقبهم بأن أمهلهم « 1 » حتى بسطوا في أبيهم لسان الوقيعة فوصفوه بلفظ الضلال ، وإن كان المراد منه الذهاب في حديث يوسف عليه السلام . ولمّا حسدوا يوسف على تقديم أبيهم له لم يرض - سبحانه - حتى أقامهم بين يدي يوسف عليه السلام ، وخرّوا له سجّدا ليعلموا أنّ الحسود لا يسود . ويقال أطول الناس حزنا من لاقّى الناس عن مرارة ، وأراد تأخير من قدّمه اللّه أو تقديم من أخّره اللّه ؛ فإخوة يوسف - عليه السلام - أرادوا أن يجعلوه في أسفل الجبّ فرفعه اللّه فوق السرير ! قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 9 ] اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) أي يخلص لكم إقبال أبيكم عليكم ، وقديما قيل : من طلب الكلّ فاته الكلّ ؛ فلمّا أرادوا أن يكون إقبال يعقوب - عليه السلام - بالكليّة - عليهم قال تعالى : « فَتَوَلَّى عَنْهُمْ » * . ويقال كان قصّدهم ألا يكون يوسف أمام عينه فقالوا : إمّا القتل وإمّا النّفى ، ولا بأس بما يكون بعد ألا يكون يوسف عليه السلام . قوله جل ذكره : وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ عجّلوا بالحرام ، وعلّقوا التوبة بالتسويف والعزم ، فلم يمح ما أجّلوا من التوبة ما عجّلوا من الحوبة .
--> ( 1 ) وردت ( أهملهم ) وهي خطأ في النسخ لأن اللّه لا يهمل ولكن يمهل ، والسياق يقتضى ( الإمهال ) .