ابو القاسم عبد الكريم القشيري

171

لطائف الإشارات

ويقال لم تطبّ نفوسهم بأن يذهبوا عن باب اللّه بالكليّة فدبّروا لحسن الرجوع قبل ارتكاب مادعته إليه نفوسهم ، وهذه صفة أهل العرفان باللّه « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 10 ] قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) إخوة يوسف - وإن قابلوه بالجفاء - منعتهم شفقة النّسب وحرمة القرابة من الإقدام على قتله ؛ فقالوا لا تقتلوه وغيّبوا شخصه . ويقال إنما حملهم على إلقائه مرادهم أن يخلو لهم وجه أبيهم ، فلمّا أرادوا حصول مرادهم في تغييبه لم يبالغوا في تعذيبه . ويقال لمّا كان المعلوم له - سبحانه - في أمر يوسف تبليغه إياه تلك القربة ألقى اللّه في قلب قائلهم حتى قال : « لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ » . ثم إنه - وإن أبلاه في الحال - سهّل عليه ذلك في جنب ما رقّاه إليه في المآل « 2 » ، قال قائلهم : كم مرة حفّت بك المكاره * خار لك اللّه - وأنت كاره قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 11 ] قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) كلام الحسود لا يسمع ، ووعده لا يقبل - وإنّ كانا في معرض النّصح ؛ فإنّه يطعم الشّهد ويسقى الصّاب . ويقال العجب من قبول يعقوب - عليه السلام - ما أبدى بنوه له من حفظ يوسف عليه السلام وقد تفرّس فيهم قلبه فقال ليوسف : « فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً » ولكن إذا جاء القضاء فالبصبرة تصير مسدودة .

--> ( 1 ) واضح من هنا ومما جاء في السياق أن القشيري - بتسامحه الصوفي الأصيل - ينظر إلى إخوة يوسف نظرة خالية من التحامل عليهم . ( 2 ) كأنما ينصح القشيري أصحاب الإرادة : إن لقيتم اليوم في اللّه شدة ، فلكم غدا مثوبة . وكأنما يوضح لأهل الجدل : إن مقاييس الشر والخير الإنسانية خاطئة قاصرة .