ابو القاسم عبد الكريم القشيري

158

لطائف الإشارات

الشقىّ من قسم له الحرمان في حاله ، والسعيد من رزق الإيمان في مآله . ويقال الشقاء على قسمين : قوم شقاؤهم غير مؤيد ، وقوم شقاؤهم على التأبيد ، وكذلك القول في السعادة . الشقىّ من هو في أسر التدبير ونسيان جريان التقدير ، والسعيد من رجع من ظلمات التدبير ، وحصل على وصف شهود التقدير . ويقال الشقىّ من كان في رق العبودية ظانّا أنّ منه طاعاته ، والسعيد من تحرر عن رقّ البشرية وعلم أن الحادثات كلها للّه سبحانه . وأمّا الأشقياء - على التأبيد - فهم أهل الخلود في مقتضى الوعيد ، والسعداء - على التأبيد - من قال اللّه تعالى في صفتهم : « لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ » . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 106 إلى 107 ] فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 ) « إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » أن يزيد على مدّة السماوات والأرض . « إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » أن ينقلهم إلى نوع آخر من العذاب غير الزفير والشهيق . « إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » ألا تلحقهم تلك العقوبة قبل أن يدخلهم النار ؛ فلا استثناء لبعض أوقاتهم من العقوبة لا قبل إدخالهم فيها ولا بعده . « إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » من إخراج أهل التوحيد من النار فيكون شقاؤهم غير مؤبّد . قوله جل ذكره : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فيه إشارة إلى أن الذي يحصل لهم يحصل بمشيئته لا باستحقاق عمل . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 108 ] وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 ) لهم اليوم جنّات القربة ، ولهم غدا جنّات المثوبة . والكفار اليوم في عقوبة الفرقة ، وغدا في عقوبة الحرقة .