ابو القاسم عبد الكريم القشيري

134

لطائف الإشارات

قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 32 ] قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) أوضح لهم من البراهين مالوا أمعنوا النظر فيه لتمّ لهم اليقين ، ولكنهم أصروا على الجحود ، ولم يقنعوا من الموعود بغير المشهود . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 33 ] قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) أقرّ بالعبودية ، وتبرّأ عن الحول والقوة ، وأحال الأمر على المشيئة . ولقد أنصف من لم يجاوز حدّه في الدعوى . والأنبياء عليهم السلام - وإن كانوا أصحاب التحدي للناس بمعجزاتهم فهم معترفون بأنهم موقوفون عند حدودهم . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 34 ] وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) من لم يساعده تعريف الحقّ - بما له بحكم العناية - لم ينفعه نصح الخلق في النهاية . ويقال من لم يوصّله الحقّ للوصال في آزاله « 1 » لم ينفعه نصح الخلق في حاله ويقال من سبق الحكم له بالضلالة أنّى ينفعه النصح وبسط الدلالة ؟ ويقال من لم تساعده قسمة السوابق لم ينفعه نصح الخلائق . قوله : « إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ » : من المحال اجتماع الهداية والغواية ؛ فإذا أراد اللّه بقوم الغواية لم يصح أن يقال إنهم من أهل الهداية . ثم بيّن المعنى في ذلك بأن قال « هُوَ رَبُّكُمْ » ليعلم العالمون أنّ الربّ تعالى له أن يفعل بعباده ما شاء بحكم الربوبية .

--> ( 1 ) أي بما سبقت به القسمة - حسب تعبير القشيري في مواضع أخرى .