ابو القاسم عبد الكريم القشيري

115

لطائف الإشارات

أذللنا لهم الأيام ، وأكثرنا لديهم الإنعام ، وأكرمنا لهم المقام ، وأتحنا لهم فنون الحسنات ، وأدمنا لهم جميع الخيرات . . . فلمّا قابلوا النعمة بالكفران ، وأصرّوا على البغي والعدوان أذقناهم سوء العذاب ، وسددنا عليهم أبواب ما فتحنا لهم من التكريم والإيجاب ، وذلك جزاء من حاد عن طريق الوفاق ، وجنح إلى جانب الشّقاق . قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 94 ] فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 ) ما شكّ - صلى اللّه عليه وسلم - فيما عليه أنزل ، ولا عن أحد منهم ساءل ، وإنما هذا الخطاب على جهة التهويل ، والمقصود منه تنبيه القوم على ملازمة نهج السبيل . ويقال صفة أهل الخصوص ملاحظة أنفسهم وأحوالهم بعين الاستصغار . ويقال فإن تنزّلت منزلة أهل الأدب في ترك الملاحظات فسل عمّن أرسلنا قبلك فهل بلّغنا أحدا منزلتك ؟ وهل خصصنا أحدا بمثل تخصيصك ؟ قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 95 ] وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 95 ) ما كان منهيا عنه ، وكان قبيحا فبالشرع كان قبيحا ، فلا بد من ورود الأمر به حتى تكون منه طاعة وعبادة . وإنما لم يجز في صفته - صلى اللّه عليه وسلم - التكذيب بآيات اللّه ؛ لأنه نهى عنه لا لكونه قبيحا بالعقل « 1 » حتى يقال كيف نهى عنه وكان ذلك بعيدا منه ؟

--> ( 1 ) يغمز القشيري هنا بقول المعتزلة : إن القبيح ما رآه العقل قبيحا والحسن ما رآه العقل حسنا ، ويرى القشيري التعويل على الشرع في هذا الخصوص - كما هو واضح من إشارته .