ابو القاسم عبد الكريم القشيري

105

لطائف الإشارات

وأشدّ المحن ارتكاب المعاصي فيعصمه الحقّ - سبحانه - على دوام أوقاته من الزّلّات . وكما أن النبيّ لا يكون إلا معصوما فالولىّ لا يكون إلا محفوظا . والفرق بين المحفوظ والمعصوم أن المعصوم لا يلمّ بذنب البتّة ، والمحفوظ قد تحصل منه هنات ، وقد يكون له - في الندرة - زلّات ، ولكن لا يكون له إصرار : « أولئك الذين يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ » « 1 » . قوله جل ذكره : لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . حسن ما قيل إنه « لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ » : في الدنيا ، « وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » : في العاقبة . ولكن الأولى أن يقال إنّ الخواص منهم لا خوف عليهم في الحال - لأنّ حقيقة الخوف توقّع محذور في المستقبل ، أو ترقّب محبوب يزول في المستأنف . . وهم بحكم الوقت ؛ ليس لهم تطلّع إلى المستقبل . والحزن هو أن تنالهم حزونة في الحال ، وهم في روح الرضا بكلّ ما يجرى فلا تكون لهم حزونة الوقت . فالولىّ لا خوف عليه في الوقت ، ولا له حزن بحال ، فهو بحكم الوقت . ولا يكون وليّا إلا إذا كان موفّقا لجميع ما يلزمه من الطاعات ، معصوما بكل وجه عن جميع الزلات . وكلّ خصلة حميدة يمكن أن يعتبر بها فيقال هي صفة الأولياء . ويقال الولىّ من فيه هذه الخصلة . ويقال الولىّ من لا يقصّر في حقّ الحق ، ولا يؤخرّ القيام بحق الخلق ؛ يطيع لا لخوف عقاب ، ولا على ملاحظة حسن مآب ، أو تطلع لعاجل اقتراب ، ويقضى لكلّ أحد حقا يراه واجبا ، ولا يقتضى من أحد حقّا له ، ولا ينتقم ، ولا ينتصف « 2 » ولا يشمت ولا يحقد ، ولا يقلد أحدا منة ، ولا يرى لنفسه ولا لما يعمله قدرا ولا قيمة . قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 63 ] الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) هذه صفة الأولياء ؛ آمنوا في الحال ، واتقوا الشرك في المآل . ويقال « آمَنُوا » أي قاموا

--> ( 1 ) آية 17 سورة النساء . ( 2 ) أي إذا أساء إليه أحد لم يطلب من مخلوق إنصافا ، وإنما عفا وتساهل ، تاركا الأمر للّه .