ابو القاسم عبد الكريم القشيري
106
لطائف الإشارات
بقلوبهم من حيث المعارف . « وَكانُوا يَتَّقُونَ » : استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف . ويقال « آمَنُوا » بتلقى التعريف . « واتقوا » : بالتقوى عن المحرمات بالتكليف . قوله جلّ ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 64 ] لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 64 ) القيام بالأمر يدل على الصحة ؛ فإذا قاموا بما أمروا به ، واستقاموا بترك ما زجروا عنه بشّرتهم الشريعة بالخروج عن عهدة الإلزام ، وبشّرتهم الحقيقة باستيجاب الإكرام ، بما كوشفوا به من الإعلام . . وهذه هي البشرى في عاجلهم . وأما البشرى في آجلهم : فالحقّ - سبحانه - يتولّى ذلك التعريف ، قال تعالى : « يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ » « 1 » ويقال البشارة العظمى ما يجدون في قلوبهم من ظفرهم بنفوسهم بسقوط مآربهم ، وأىّ ملك أتمّ من سقوط المآرب ، والرضا بالكائن « 2 » ؟ هذه هي النعمة العظمى ، ووجدان هذه الحالة هو البشرى الكبرى . ويقال الفرق بين هذه البشارة التي لهم وبين البشارة التي لخلق أنّ التي للخلق عدّة « 3 » بالجميل ، والذي لهم نقد ومحصول . قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 65 ] وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 65 ) العبد ما دام متفرقا يضيق صدره ويستوحش قلبه بما يسمع ويشهد من الأغيار والكفار ما تتقدّس عنه صفة الحقّ ، فإن صار عارفا زالت عنه تلك الصفة لتحققه بأنّ الحقّ سبحانه وراء كلّ طاعة وزلّة ، فلا له - سبحانه - من هذا استيحاش ، ولا بذلك استئناس .
--> ( 1 ) آية 21 سورة التوبة . ( 2 ) الكائن هنا معناها الواقع ، فلا يتطلعون إلى زيادة أو تغيير . ( 3 ) عدة - وعد ، وتذكر ما قلناه في هامش سابق عن الوعد والنقد .